باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُحوّل عالم العمل في المنطقة العربية بوتيرة تفوق التوقعات، مُولّدةً مخاوف حقيقية لدى شرائح واسعة من العاملين في قطاعات عدة، إذ تكشف الدراسات أن ما يزيد على 40% من الوظائف الحالية معرّضة للأتمتة جزئياً أو كلياً في غضون العقد المقبل. ويُعيد هذا التحوّل طرح السؤال الجوهري: كيف تُعدّ المنطقة أجيالها القادمة لعالم عمل مختلف جذرياً عمّا سبق؟
وتُشير الأرقام إلى أن قطاعات بعينها هي الأكثر عرضة للتأثّر بالذكاء الاصطناعي، في مقدمتها المحاسبة وإدارة البيانات والخدمات الإدارية والتصنيع الروتيني. في المقابل، تنمو الطلبات بصورة هائلة على المهارات التقنية المتعلقة بتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وصيانتها وتحليل البيانات وهندسة البرمجيات. ويُشكّل هذا الواقع ضغطاً متصاعداً على منظومة التعليم لتُعيد النظر في مناهجها وأساليبها جذرياً.
وفي دول الخليج، تُبادر الحكومات إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين كفاءة الخدمات الحكومية وخفض التكاليف وتعزيز التنافسية. وأطلقت الإمارات استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تستهدف تحويلها إلى أذكى دولة على وجه الأرض بحلول عام 2031، بينما تُضخّ المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات في تطوير بنية تحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي ضمن مشاريع رؤية 2030.
وعلى صعيد التعليم، تسارع الجامعات العربية إلى تطوير مناهج جديدة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني، وإن كانت مؤسسات كثيرة لا تزال تفتقر إلى أعضاء هيئة تدريس مؤهّلين في هذه التخصصات النادرة. وتسعى المنطقة إلى معالجة هذه الفجوة من خلال الشراكات مع جامعات دولية وشركات تكنولوجيا كبرى.
وتبرز في هذا السياق إشكالية توزيع ثمار ثورة الذكاء الاصطناعي بإنصاف بين شرائح المجتمع المختلفة. ويُحذّر الاقتصاديون من أن تُفضي هذه الثورة إلى تركّز الثروة في أيدي القلة ممن يمتلكون التقنية ورأس المال، في حين تتضرر شرائح واسعة من العمال الذين تُستبدل وظائفهم بالآلات دون توفير بدائل مناسبة لهم.
وتظل الفرصة قائمة أمام المنطقة العربية لأن تُحوّل ثورة الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للنمو والتنمية لا وصفة لتفاقم البطالة. ويكمن المفتاح في التعليم التكيّفي المستمر وإنشاء شبكات أمان اجتماعي لمساعدة المتضرّرين من الأتمتة، والاستثمار في القدرات البشرية التي تبقى متفوقة على الآلة في مجالات الإبداع والتواصل الإنساني والقيادة وحل المشكلات المعقدة.




